في صباح 11 أيلول/سبتمبر 2001، بدأ يوم العمل في نيويورك وواشنطن بصورة اعتيادية، قبل أن يتحول خلال ساعات قليلة إلى حدث غيّر وجه العالم، وأصبح واحدًا من أكثر الأحداث تأثيرًا في التاريخ الحديث.
عند الساعة 8:46 صباحا، اصطدمت الرحلة 11 التابعة لشركة أميركان إيرلاينز بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي في نيويورك، وبعد 17 دقيقة اصطدمت الرحلة 175 بالبرج الجنوبي.
وفي الساعة 9:37، اصطدمت الرحلة 77 بمبنى وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون"، بينما تحطمت الرحلة 93 قرب شانكسفيل في ولاية بنسلفانيا عند الساعة 10:03، بعدما حاول الركاب وأفراد الطاقم استعادة السيطرة على الطائرة.
انهار البرج الجنوبي عند الساعة 9:59، ثم البرج الشمالي عند الساعة 10:28، لتنتهي واحدة من أكثر الهجمات الإرهابية دموية في التاريخ، بعدما أودت بحياة نحو 3 آلاف شخص.
لكن قصة 11 سبتمبر لم تبدأ في ذلك الصباح.
خلال تسعينيات القرن الماضي، تطور تنظيم "القاعدة" إلى تنظيم عابر للحدود بقيادة أسامة بن لادن، فيما طرح خالد شيخ محمد فكرة استخدام الطائرات التجارية كسلاح لضرب أهداف داخل الولايات المتحدة.
ووفقا للجنة 11 سبتمبر، أصبح خالد شيخ محمد المسؤول الرئيسي عن "عملية الطائرات"، بعدما حصل على موافقة بن لادن على الخطة في أواخر 1998 أو أوائل 1999.
وتطورت الخطة من تصور أولي أوسع إلى العملية التي نفذت في 11 سبتمبر، فيما أصبحت خلية هامبورغ في ألمانيا جزءا أساسيا من التحضير، وضمت محمد عطا ومروان الشحي وزياد الجراح ورمزي بن الشيبة.
وفي عام 2000، بدأ عدد من عناصر الخطة بالوصول إلى الولايات المتحدة، فيما تلقى الطيارون تدريبات على الطيران، وانتقل الخاطفون الآخرون إلى الولايات المتحدة تباعا، وبحلول أوائل تموز 2001 كان الخاطفون التسعة عشر داخل البلاد.
وقبل الهجمات، لم تكن الأجهزة الأميركية بلا معلومات حيث شهد عام 2001 تقارير متكررة ومتفرقة عن تهديدات مرتبطة ببن لادن، وتصاعدت التحذيرات خلال الصيف، وصولا إلى تقارير أشارت إلى احتمال وقوع هجوم كبير وشيك.
وفي 2 تموز 2001، أرسل مكتب التحقيقات الفدرالي تحذيرا إلى أجهزة إنفاذ القانون بشأن تزايد التقارير المتعلقة بجماعات مرتبطة ببن لادن، مع الإشارة إلى عدم وجود معلومات عن تهديد محدد وموثوق داخل الولايات المتحدة، مع عدم استبعاد احتمال وقوع هجوم.
وفي أواخر تموز، وصف مدير وكالة الاستخبارات المركزية آنذاك جورج تينيت الوضع بالقول إن "النظام كان يومض باللون الأحمر".
لكن المعلومات بقيت موزعة بين أجهزة ومؤسسات مختلفة، ولم تتحول إلى صورة متكاملة تحدد طبيعة الهجوم وتوقيته وأهدافه.
وبرزت قضية خالد المحضار ونواف الحازمي بوصفها إحدى أبرز حالات فقدان الخيط بين المعلومات الاستخباراتية والتحرك العملي؛ إذ كانت لدى أجهزة أميركية معلومات عنهما، لكن لم يجر الربط في الوقت المناسب بين تحركاتهما ونشاط القاعدة.
ثم جاء صباح الهجوم.
بدأت الرحلة 11 عند 8:46، تلتها الرحلة 175 عند 9:03، ثم الرحلة 77 التي ضربت البنتاغون عند 9:37.
انهيار البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي بعد اصطدام طائرات مختطفة بالبرجين التوأمين خلال هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 في مدينة نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية. (رويترز)
أما الرحلة 93، فكانت مختلفة؛ إذ أدرك الركاب وأفراد الطاقم أن الطائرة اختطفت، وبعد اتصالات أجروها مع ذويهم ومعارفهم بدأوا مقاومة الخاطفين، لتنتهي الطائرة في حقل بولاية بنسلفانيا قبل وصولها إلى هدفها.
وبعد سنوات من التحقيق الهندسي، خلص المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا "NIST" إلى أن انهيار البرجين نتج عن مجموعة عوامل، بينها الأضرار الناجمة عن اصطدام الطائرتين والحرائق التي اندلعت في عدة طوابق.
وأدى الاصطدام إلى إتلاف أجزاء من الهيكل وإزاحة أجزاء من المواد المقاومة للحريق عن الفولاذ، بينما أضعفت الحرائق العناصر الإنشائية وصولا إلى بدء الانهيار.
وبحسب NIST، بدأ انهيار البرج الجنوبي بعد نحو 56 دقيقة من اصطدام الطائرة به، فيما بدأ انهيار البرج الشمالي بعد نحو 102 دقيقة، ولم يجد التحقيق دليلا يؤيد فرضية استخدام متفجرات لإسقاط البرجين.
ولم يكن نحو 3 آلاف قتيل مجرد رقم في حصيلة الهجمات؛ فقد كان بينهم موظفون ومسافرون ورجال شرطة وعناصر إطفاء وعمال إنقاذ.
وبحسب مكتب التحقيقات الفدرالي، قتل أكثر من 400 من أفراد الاستجابة الأولى، بينهم 60 من عناصر إنفاذ القانون.
لكن الخسائر لم تتوقف عند ضحايا ذلك اليوم.
فالأشخاص الذين تعرضوا للغبار والدخان والحطام في نيويورك ومحيط مركز التجارة العالمي واجهوا لاحقا مشكلات صحية طويلة الأمد، فيما تعرض مئات الآلاف للمواد الناتجة عن انهيار المباني والحرائق.
ويواصل برنامج صحة مركز التجارة العالمي تقديم الرعاية والمراقبة الصحية للمتضررين بعد 25 عاما من الهجمات.
ومن نيويورك، انتقلت تداعيات 11 سبتمبر إلى أفغانستان.
كانت الولايات المتحدة تسعى إلى ملاحقة القاعدة وأسامة بن لادن، الذي كان يقيم في أفغانستان تحت حماية حركة طالبان. وفي 7 تشرين الأول 2001، بدأت الولايات المتحدة وشركاؤها حملة عسكرية هناك بعدما رفضت طالبان تسليم بن لادن وإنهاء دعمها للقاعدة.
لكن العملية تحولت إلى حرب طويلة لم تقتصر على ملاحقة القاعدة، بل شملت قتال طالبان وبناء مؤسسات الدولة الأفغانية، قبل أن تنسحب القوات الأميركية عام 2021 وتعود طالبان إلى السلطة.
وفي خضم تداعيات الهجمات والحرب على الإرهاب، برز العراق كملف مختلف.
فقد بحثت السلطات الأميركية احتمال وجود علاقة بين العراق والقاعدة، لكن لجنة 11 سبتمبر خلصت إلى عدم وجود دليل موثوق على تعاون بين بغداد والتنظيم في تنفيذ هجمات ضد الولايات المتحدة.
وبذلك، كانت أفغانستان مرتبطة مباشرة بإيواء القاعدة، بينما لم تجد اللجنة دليلا موثوقا على أن العراق خطط لهجمات 11 سبتمبر أو نفذها.
وفي الداخل الأميركي، أعادت الهجمات تشكيل منظومة الأمن.
في 19 تشرين الثاني 2001، أقر قانون أمن الطيران والنقل، الذي أنشأ إدارة أمن النقل "TSA" ونقل مسؤولية أمن الطيران المدني إلى الحكومة الفدرالية.
وفي 2002، أدى قانون الأمن الداخلي إلى إنشاء وزارة الأمن الداخلي، التي جمعت 22 جهة ووكالة فدرالية ضمن وزارة واحدة.
كما توسعت صلاحيات أجهزة إنفاذ القانون والاستخبارات، وتعزز تبادل المعلومات بين المؤسسات الحكومية، وأصبحت مكافحة الإرهاب محورا أساسيا في السياسة الأمنية الأميركية.
ولم تتوقف آثار 11 سبتمبر عند حدود الولايات المتحدة.
أصبحت مكافحة الإرهاب أولوية دولية، وتوسعت عمليات تبادل المعلومات والتعاون الاستخباراتي، وتشددت إجراءات أمن الطيران والحدود.
كما امتدت آثار الحروب التي أعقبت الهجمات إلى مناطق واسعة من الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، مخلفة أعدادا كبيرة من القتلى والنازحين وتكاليف مالية ضخمة، مع اختلاف التقديرات البحثية بشأن حجم هذه الخسائر بحسب منهجية كل جهة.
وفي 2011، قتل أسامة بن لادن في عملية أميركية بمدينة أبوت آباد الباكستانية، لكن مقتله لم ينه وجود القاعدة.
تراجع التنظيم عن نموذج العملية المركزية الضخمة التي ميزت 11 سبتمبر، وحافظ على فروع وشبكات في مناطق مختلفة، فيما ظهرت جماعات منافسة أكثر قوة، أبرزها تنظيم "داعش" الإرهابي.
وتحول التهديد تدريجيا من تنظيم مركزي إلى شبكة أكثر تشتتا تضم فروعا محلية ودعاية رقمية وأفرادا قد يتحركون بصورة مستقلة.
وبعد 25 عاما، لا تزال تداعيات ذلك اليوم حاضرة في الملفات الصحية والإنسانية.
فالتعرض للغبار والدخان والمواد الناتجة عن انهيار المباني والحرائق ارتبط بمشكلات صحية جسدية ونفسية طويلة الأمد لدى الناجين والمستجيبين، وهو ما أبقى برنامج صحة مركز التجارة العالمي قائما لتقديم الرعاية والمراقبة الطبية للمتضررين.
وفي 2026، تصل الذكرى إلى عامها الخامس والعشرين، بينما يكبر جيل كامل لم يعش الهجمات أو كان طفلا صغيرا عندما وقعت.
ومع ذلك، لم يتحول الحدث إلى مجرد صفحة في كتاب التاريخ؛ إذ تستمر المتاحف والنصب التذكارية والمؤسسات التعليمية في إعادة تقديم قصص الضحايا والناجين.
وفي الذكرى الـ25، عرض المتحف الوطني للتاريخ الأميركي التابع لمؤسسة سميثسونيان عشرات القطع النادرة المرتبطة بمركز التجارة العالمي والبنتاغون والرحلة 93، بينها أحزمة ومقتنيات من الرحلة 93 وهاتف استخدم في واحدة من المكالمات الأخيرة من طائرة مختطفة.
استغرق هجوم 11 سبتمبر ساعات قليلة، لكن تداعياته امتدت 25 عاما.
انهارت الأبراج، لكن ما أعقب ذلك أعاد تشكيل سياسات الأمن والطيران والاستخبارات، وأطلق حروبا امتدت لسنوات، وغير حياة ملايين الأشخاص، وترك آثارا صحية لا تزال مستمرة.
وبعد ربع قرن، لم يعد السؤال فقط: ماذا حدث في 11 سبتمبر؟
بل: ماذا فعل العالم بما حدث في ذلك اليوم؟
فالهجمات لم تغير الولايات المتحدة وحدها، ولم تنته آثارها بانتهاء عمليات الإنقاذ، ولا بمقتل بن لادن، ولا بانسحاب القوات الأميركية من أفغانستان.
11 سبتمبر أصبح نقطة فاصلة في التاريخ الحديث؛ يوم انتهى خلال ساعات، لكن العالم الذي خرج منه لم يعد كما كان.

يتصاعد الدخان من البرجين الشمالي والجنوبي لمركز التجارة العالمي بعد اصطدام طائرات مختطفة بهما خلال هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 في مدينة نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية. (رويترز)
المملكة



