شريط الأخبار

هل انتهى زمن الدبلوماسية السرّية

هل انتهى زمن الدبلوماسية السرّية
كرمالكم :  

د. هيفاء ابوغزالة

كان إغلاق باب غرفة المفاوضات يعني، إلى حد بعيد، أن ما يقال داخلها سيبقى داخلها. يستطيع الدبلوماسي أن يختبر فكرة، ويطرح احتمالاً، ويستمع إلى عرض غير رسمي، وربما يتراجع عن مقترح، من دون أن تتحول كل كلمة إلى خبر عاجل.

اليوم يمكن إغلاق الباب، لكن يصعب إغلاق العالم خارجه.

هاتف على الطاولة، رسالة يمكن تصويرها، وثيقة يمكن تسريبها، اجتماع افتراضي يمكن اختراقه، ومنصة رقمية قادرة على نقل جملة واحدة من غرفة مغلقة إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق.

فهل انتهى زمن الدبلوماسية السرّية؟

ربما يكون السؤال الأهم: هل من الضروري أصلاً أن يعرف العالم كل ما يقال في الاجتماعات الدبلوماسية المغلقة؟ وإلى أي حد؟

من حق الناس أن يعرفوا القرارات التي تتخذها حكوماتهم، والاتفاقات والالتزامات التي تمس مصالح دولهم وأمنها واقتصادها ومستقبلها. لكن هل يعني حق المعرفة أن تكون كل مراحل التفاوض مكشوفة أيضاً؟

هنا يكمن الفرق بين معرفة القرار ومشاهدة صناعته لحظة بلحظة.

فغرفة التفاوض ليست مؤتمراً صحفياً. المفاوض يدخلها لكي يستمع ويختبر الممكن، ويطرح أحياناً أفكاراً لا تمثل الموقف النهائي لدولته. وقد يناقش تنازلاً مشروطاً، أو يسأل الطرف الآخر: «ماذا لو؟» بحثاً عن مساحة يمكن أن يلتقي عندها الطرفان.

ماذا يحدث إذا خرجت تلك العبارة من الغرفة قبل أن يكتمل النقاش؟

قد تتحول الفكرة إلى موقف، والاحتمال إلى التزام، والتنازل المشروط إلى عنوان إعلامي. وقد يجد المفاوض نفسه مضطراً إلى الدفاع أمام الرأي العام عن فكرة لم يكن قد تبناها أصلاً.

وهنا تكمن إحدى مفارقات الدبلوماسية الحديثة: كلما أصبح العالم أكثر انفتاحاً، ازدادت صعوبة التفاوض بعيداً عن ضغط الجمهور.

وتشير دراسات حديثة للمفاوضات الدولية إلى أن زيادة العلنية في بعض الاجتماعات الرسمية قد تدفع النقاش الحقيقي إلى مساحات أقل رسمية وأكثر خصوصية، لأن الوصول إلى التسويات يحتاج أحياناً إلى مساحة يستطيع فيها الأطراف استكشاف الخيارات من دون أن تكون كل كلمة موجهة إلى الجمهور.

لكن التكنولوجيا غيرت المعادلة أكثر.

فقد دخل إلى غرفة التفاوض طرف جديد لا يحمل صفة دبلوماسية ولا يجلس حول الطاولة: الجمهور الرقمي.

الإعلام والمنصات والمؤثرون والحسابات المجهولة والرأي العام المحلي والدولي يستطيعون جميعاً التفاعل مع معلومة مسربة في اللحظة نفسها. وبذلك أصبح المفاوض يخوض أحياناً مفاوضتين في وقت واحد: واحدة مع الطرف المقابل، وأخرى مع الجمهور خارج الغرفة.

وهذا قد يجعل المواقف أكثر تصلباً. فعندما يعرف المفاوض أن كل عبارة قابلة للنشر، يصبح أكثر حرصاً على ما سيبدو جيداً أمام الجمهور، وأقل استعداداً لاختبار الحلول التي تحتاج بطبيعتها إلى قدر من المرونة.

لهذا لم تختفِ القنوات الخلفية رغم الثورة الرقمية.

لا تزال الدول تستخدم الوسطاء والرسائل غير الرسمية واللقاءات غير المعلنة عندما تريد اختبار النوايا أو البحث عن مخرج من أزمة قبل الانتقال إلى المفاوضات الرسمية. تغيرت الوسائل، لكن الحاجة إلى مساحة هادئة للحوار لم تختفِ.

فالدبلوماسية، في جوهرها، ليست مجرد تبادل للمعلومات، بل بناء للثقة. والثقة لا تنمو دائماً أمام الكاميرات.

لكن هذا لا يعني أن السرية قيمة مطلقة أو أن كل ما يحدث خلف الأبواب المغلقة يجب أن يبقى بعيداً عن المساءلة.

وهنا ينبغي رسم خط واضح.

سرية التفاوض شيء، وسرية القرار شيء آخر.

قد يحتاج الطريق إلى الاتفاق إلى قدر من الخصوصية، لكن عندما يتحول ما تم التفاوض عليه إلى قرار أو اتفاق أو التزام عام، يصبح الوضوح والمساءلة ضرورة وفق الأطر القانونية والدستورية للدولة.

بعبارة أبسط: ليس ضرورياً أن يعرف العالم كل ما قيل داخل الغرفة، لكنه من حقه أن يعرف ما الذي خرج منها عندما يصبح قراراً عاماً.

وهذه ربما هي المعادلة التي تحتاجها الدبلوماسية الحديثة: خصوصية في التفاوض، وشفافية في القرار، ومساءلة عن النتائج.

غير أن الحفاظ على هذه المعادلة أصبح أصعب من أي وقت مضى. فالحقيبة الدبلوماسية القديمة أصبحت اليوم هاتفاً وحاسوباً وبريداً إلكترونياً وخوادم وبيانات واجتماعات افتراضية. وأصبح أمن المعلومة جزءاً أساسياً من أمن العملية الدبلوماسية نفسها.

وربما سيحتاج دبلوماسي المستقبل، إلى جانب إتقان التفاوض والبروتوكول واللغات، إلى مهارة إضافية: أن يعرف ماذا يكتب، وماذا يرسل، وعبر أي قناة، ومتى يكون الصمت أكثر حكمة من الرسالة.

لقد جعلت التكنولوجيا العالم أسرع وأكثر انكشافاً، لكنها لم تُلغِ حاجة الدول إلى الحوار الهادئ. وربما جعلت هذه الحاجة أكبر.

لذلك لم ينتهِ زمن الدبلوماسية السرّية.

الذي انتهى هو زمن السرّ السهل.

أما الدبلوماسية فستظل بحاجة إلى أبواب تُغلق أحياناً، لا لإخفاء القرارات عن الناس، بل لمنح المفاوضين فرصة للوصول إليها.

فليس كل ما يجب أن يعرفه العالم، يجب أن يعرفه في اللحظة التي يُصنع فيها.

وأحياناً، لكي يسمع العالم خبر الاتفاق غداً، لا بد أن يسمح للمفاوضين اليوم بأن يتحدثوا بعيدا عن ضجيجه.