كابتن أسامة شقمان
كنت أفضّل أن أؤجل الكتابة عن هذه الحادثة إلى ما بعد
صدور نتائج التحقيق، لأن الطيران علّمني أن الحكم الذي يسبق الدليل قد يضلل أكثر
مما يفسر، لكن عددًا من الأصدقاء طلبوا مني أن أكتب قراءتي الآن، فهذه ليست خلاصة
ولا حكمًا نهائيًا، بل قراءة أولى لما ظهر حتى هذه اللحظة على أن تبقى الكلمة
الأخيرة للتحقيق حين يكتمل.
بعد أكثر من أربعين عامًا في قمرة القيادة، تعلمت أن
معظم أخطار الطيران تسبقها إشارات يمكن قراءتها. لكن حادثة "فلاي دبي"
كشفت عن خطر من نوع مختلف، خطر لا يظهر على شاشة ولا يطلق إنذارًا، بل قد يكون
جالسًا في المقعد المجاور.
في صباح الأربعاء، الثلاثين من سبتمبر عام ٢٠٢٦ كانت
الطائرة في طريقها من دبي إلى تل أبيب عندما تحولت قمرة القيادة إلى مسرح لحادث
خطير، انتهى بإصابة الطيارين الأصليين ودخول الطائرة في هبوط حاد قبل أن يتمكن
آخرون على متنها من التدخل ثم تهبط اضطراريًا في مطار تبوك بالمملكة العربية
السعودية، أما الأسباب والدوافع والتسلسل الكامل لما جرى فما تزال من اختصاص
التحقيق الرسمي.
أكثر ما استوقفني لم يكن الهبوط الحاد وحده، بل ما ظهر
بعده من تفاصيل فقد تحدث القبطان الهندي سميت ماتشهار من المستشفى عن اللحظة التي
كان فيها مصابًا داخل قمرة القيادة وعن محاولته فتح باب القمرة من الداخل بما أتاح
للآخرين التدخل وهنا تظهر مفارقة لافتة، الباب الذي صُمم بعد أحداث الحادي عشر من
سبتمبر ليمنع الخطر من الدخول أصبح فتحه هذه المرة أحد مفاتيح النجاة.
وما يثير الانتباه أيضًا الغموض المحيط بمساعد القبطان،
فحتى وقت كتابة هذا المقال لم تظهر معلومات رسمية واضحة عن هويته أو جنسيته أو مدة
خدمته وقد يكون ذلك مرتبطًا بسير التحقيق، لكنه يطرح أسئلة مشروعة - من هو؟ وما
سجله المهني؟ وهل ظهرت في السابق مؤشرات كان ينبغي التوقف عندها؟ أما وجود طيارين
آخرين على متن الطائرة فليس أمرًا مستغربًا في تشغيل شركات الطيران، إذ قد يكونان
في طريقهما لتولي مهمة لاحقة أو عائدين من مهمة سابقة، لكن السؤال الذي يستحق
التوضيح هو. لماذا كانا على هذه الرحلة القصيرة نسبيًا بين دبي وتل أبيب وما طبيعة
المهمة التشغيلية التي كانت تستدعي انتقالهما عليها ؟ وقد شاءت الظروف أن يصبح
وجودهما في تلك اللحظة عاملًا مهمًا في استعادة السيطرة على الطائرة.
ليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها صناعة الطيران
خطرًا ينشأ داخل قمرة القيادة، ففي عام ٢٠١٥ أعادت كارثة شركة "جيرمان
وينغز" الألمانية فتح النقاش حول أمن القمرة والحالة النفسية للطيارين بعدما
بقي مساعد الطيار وحده خلف الباب وانتهت الرحلة بكارثة في جبال الألب الفرنسية وفي
عام ٢٠٢٢ شهدت إحدى رحلات "إير فرانس" مشادة جسدية بين قائدي الطائرة
واضطر أحد أفراد طاقم الضيافة إلى البقاء معهما في القمرة حتى نهاية الرحلة وفي
عام ٢٠٢٣ تدخل طياران على إحدى رحلات "هورايزن إير" لمنع طيار كان خارج
الخدمة من العبث بأنظمة المحركات، تختلف هذه الحوادث في أسبابها ونتائجها، لكنها
تلتقي عند حقيقة واحدة، ليس كل خطر في الطيران مصدره الطقس أو الآلة.
ثم تأتي الأسئلة الأمنية. فإذا ثبت استخدام أداة حادة،
فمن أين جاءت ؟ وهل كانت موجودة أصلًا على متن الطائرة أم أُدخلت إليها ؟ وهل كشفت
الحادثة عن ثغرة في إجراءات تفتيش أفراد الطاقم وما طبيعة هذه الثغرة إن وُجدت
وأين وقعت تحديدًا؟
أما فنيًا، فمن كان يتحكم بالطائرة لحظة بدء الهبوط
الحاد ؟ وهل كان فقدان الارتفاع متعمدًا أم نتيجة صراع جسدي داخل قمرة القيادة ؟
وماذا سيكشف مسجل بيانات الرحلة عن حركة أدوات القيادة وأنظمة التحكم والقيادة
الآلية ؟ وهل تعرضت الطائرة أثناء الهبوط لسرعات أو أحمال تجاوزت حدودها
التشغيلية؟
وتبقى لحظة فتح باب قمرة القيادة من أكثر مراحل الحادث
غموضًا، من دخل أولًا؟ ومن سيطر على الموقف ؟ وكيف انتقلت القيادة من طاقم مصاب
وفي حالة فوضى إلى طيارين آخرين تمكنوا من استعادة السيطرة ؟ ولماذا وقع الاختيار
على مطار تبوك تحديدًا للهبوط الاضطراري؟
هذه الأسئلة لا تبحث عن شخص نعلق عليه المسؤولية فحسب،
بل عن سلسلة كاملة من الأحداث ففي التحقيقات الجوية لا يكفي أن نعرف الخطأ الأخير،
الأهم أن نعرف كيف بدأت السلسلة وأين فشلت الحواجز وأيها نجح وما الذي حال دون
النهاية الأسوأ، وربما يكون السؤال الأعمق بعد انتهاء التحقيق. هل ما تزال صناعة
الطيران تبني أمن قمرة القيادة على فرضية أن الخطر يأتي دائمًا من الخارج ؟ أم أن
الوقت قد حان للتفكير بجدية في كيفية حماية الطائرة عندما ينشأ الخطر من داخل
القمرة نفسها؟
بعد عمر طويل بين الأرض والسماء، لم أعد أرى الطيران
مجرد محركات وأجهزة وإجراءات، الطيران في جوهره ثقة بين القائد ومساعده وبين
الطيار والشركة وبين الطاقم والمراقب وبين الركاب ومن يجلس خلف ذلك الباب المغلق،
كنت أعتقد في بدايات حياتي المهنية أن أجمل لحظة في الطيران هي لحظة الإقلاع،
عندما تنفصل العجلات عن الأرض، أما اليوم فأرى أن أعظم لحظة هي العودة.
فالطيران ليس فن الوصول إلى السماء، بل مسؤولية إعادة الناس منها سالمين.




