صالح سليم الحموري
في ظل التحديات العالمية المتسارعة، وتعقّد الأزمات وتداخلها، تجد الحكومات نفسها أمام معادلة دقيقة: كيف تحافظ على النظام والانضباط دون أن تعيق "الابتكار وسرعة الاستجابة"؟ في هذا السياق، يبرز مفهوم "البيروقراطية الإبداعية" كأحد الحلول الواعدة، ليس كمصطلح أنيق، بل كرؤية جريئة تعيد تعريف العلاقة بين الحوكمة والإبداع، بين القواعد والمرونة، بين المواطن والدولة.
نشأت البيروقراطية لضمان العدالة وتكافؤ الفرص، لكنها مع مرور الوقت تحوّلت، في كثير من المؤسسات، إلى عبء يقيد التغيير ويعيق المبادرة. فتتكرّر العبارات الجاهزة: "لا، لأن النظام لا يسمح"، أو "لا، لأننا لم نجرّب هذا من قبل". أما البيروقراطية الإبداعية، فهي ثقافة جديدة تقول بثقة: "نعم، إذا توفرت الإمكانات"، و"نعم، إذا خدم الأمر المصلحة العامة." هذه الثقافة تُحفز الخيال المؤسسي، وتحوّل القواعد من قيود إلى أدوات مرنة تُسهّل الوصول إلى حلول ذكية ومستدامة.
في سنغافورة، لم تكتفِ الحكومة بتبسيط الإجراءات، بل أطلقت تطبيقًا موحدًا باسم One Service يتيح للمواطنين التعامل مع عشرات الجهات من منصة واحدة، دون الحاجة لمعرفة الجهة المسؤولة. وكما يُقال: "وراء كل مشروع عظيم... بيروقراطي مبدع". أما في الإمارات، فقد تبنّت الحكومة نهج "تصفير البيروقراطية" كخيار استراتيجي لا كشعار مؤقت. هذا النهج تقوده فرق ميدانية مؤهلة، أعيد تمكينها بثقة، ودُفعت لإعادة التفكير في كل إجراء ونموذج خدمة. وبدعم من قيادة تؤمن بالإبداع وكسر الجمود، اجتهدت الجهات الحكومية في تقديم تجارب سلسة، ذكية، وإنسانية، تليق بحكومة لا تنتظر المستقبل، بل تصنعه. كما تؤكد المقولة الملهمة: "لا يمكنك أن تكون مدينة إبداعية بدون بيروقراطية إبداعية."
تشير الدراسات إلى أن الموظفين الحكوميين لا يستخدمون سوى 65% من طاقتهم الإنتاجية. أما الباقي، فهو "جهد تقديري" غير مفعل – أي طاقاتهم الإبداعية التي يبذلونها طواعية إذا وجدوا بيئة ثقة وتشجيع.
وهو بالضبط ما تدعو له البيروقراطية الإبداعية: إطلاق الطاقات الكامنة وتحرير الموظف من سطوة الخوف والإجراءات الجامدة.
تخيّل أن تذهب لاستخراج وثيقة رسمية، فيستقبلك موظف مبتسم، يستمع إليك، يوجّهك، ويقدّم لك الحلول، دون أن يقول: "مش من اختصاصنا"، أو "روح صوّر الأوراق"، أو "ارجع بكرا". في البيروقراطية التقليدية، هذه العبارات تتكرر يوميًا. أما في منهج البيروقراطية الإبداعية، فالموظف يُدرَّب على أن يعرف متى يدفع نحو الحل، ومتى يتراجع لتسهيل المهمة، وكيف يبتكر من داخل النظام لا أن يختبئ خلفه. فالإبداع البيروقراطي، كما يُقال، هو أن تخلق الحلول من داخل النظام... لا أن تُخفي فشلك خلفه.
نحن بحاجة إلى بيروقراطية تُلهم، لا تُرهق. نعيد سحر البيروقراطية لا بإلغائها، بل بإعادة تشكيلها لتصبح أكثر إنسانية، وأكثر قدرة على الابتكار. الطريق ليس سهلاً، لكنه جدير بأن يُسلك. فكل موظف مبدع هو بذرة تغيير، وكل تنظيم رشيق ومرن هو نواة لحكومة قادرة على استشراف المستقبل وصناعته. دعونا نمنح البيروقراطيين الفرصة ليُبدعوا، شريطة أن نعيد "ضبط المصنع"، ونحررهم من الخوف، ومن شوائب العلاقة القديمة مع الأنظمة. لقد تعبوا من قول "لا"... وهم مستعدون ليقولوا: "نعم، إذا..."