قانون الإدارة المحلية ليس مجرد قانون خدمات أو بنية إدارية لإدارة البلديات، إنه الإطار الذي يُنظّم علاقة الدولة بالمجتمع والمكان، ويحوّل الحيّ والمدينة إلى فضاء عام تتقاطع فيه المشاركة والسياسة، والتنمية، والصالح العام. فمن خلاله تُحدَّد الأولويات، وتُوزَّع الموارد، وتُصاغ السياسات المحلية، ولهذا، فهو المدرسة الأولى للديمقراطية، حيث يتعلّم الناس كيف يشاركون، وكيف يراقبون، وكيف يتحوّل الصوت الفردي إلى قرار عام.
من هنا، فإن أحد جوانب النقاش حول قانون الإدارة المحلية ينبغي أن ينتقل من عدد المجالس أو مقاعدها إلى السؤال الأعمق وهو كيف نوزّع السلطة؟ فالديمقراطية المحلية، في جوهرها، علاقة مستمرة بين المجتمع والقرار وعملية يومية يتشكّل فيها الحق في التأثير، والقدرة على المساءلة، وإمكانية تحويل التجربة الاجتماعية إلى سياسة عامة.
وحين ننظر إلى تجربتنا في الإدارة المحلية، نرى مفارقة واضحة، لدينا مجالس منتخبة تتمتع بشرعية قانونية، لكنها لا تزال محدودة القدرة على تمثيل المجتمع تمثيلا فعليا داخل عملية صنع القرار. فالانتخاب، على أهميته، لم يُترجم بعد إلى مشاركة مجتمعية واسعة ومنظَّمة، الأمر الذي أبقى الممارسة التشاركية داخل هذه المجالس محدودة، وأضعف أثرها المدني على المجتمع المحلي.
وبهذا، بقيت المجالس قائمة بوصفها هياكل تمثيلية، دون أن تتحول إلى فضاءات ديمقراطية حيّة قادرة على توسيع المشاركة، وبناء الثقة، وتعميق العمل العام. وهذه المفارقة تشكّل أحد الجوانب الجوهرية التي ينبغي أن يعالجها القانون الجديد للإدارة المحلية.
فما زالت قطاعات واسعة - النساء، والشباب، والمهنيون، والفاعلون الثقافيون - خارج دائرة التأثير الحقيقي، رغم أنهم يتحملون يوميا كلفة السياسات المحلية، في ظل غياب قنوات دائمة تُدخل المجتمع إلى جانب الأعضاء المنتخبين في عملية صنع القرار، وتُرسّخ المشاركة بوصفها ممارسة مؤسسية منتظمة.
فالمجالس المحلية هي المكان الذي تجسّد فيه الإرادة الاجتماعية بكل تنوّعها؛ أصوات النساء وأولوياتهن، وطموحات الشباب في المشاركة في رسم مستقبل مدينتهم، وديناميات المهن، والهوية الثقافية للمكان. غير أن هذه الإرادة لا تدخل تلقائيا إلى قاعة المجلس لأنها تحتاج إلى بنى مؤسسية واضحة تُحوّلها إلى معرفة منظَّمة، وإلى اقتراحات قابلة للنقاش، وإلى سياسات عامة.
وهنا تحديدا تنتقل المسألة من توصيف الإرادة الاجتماعية إلى البحث عن آليات مأسستها، بما يجعل اللجان المجتمعية القطاعية مدخلا ضروريا وقلبا حقيقيا للتحول الديمقراطي في الحكم المحلي. هذه اللجان، على اختلاف قطاعاتها - لجان المرأة، ولجان الشباب، ولجان المهن والحِرف، واللجان الاجتماعية والثقافية - لا تُشكّل هياكل موازية للمجالس المنتخبة، وإنما جسورا بينها وبين المجتمع. فهي الآلية التي تُدخل الخبرة الاجتماعية إلى عملية التخطيط، وتحوّل المواطن من متلقٍ للقرار إلى شريك في صياغته.
وفي ظل غياب هذه اللجان وباستثناء الأعضاء المنتخبين في هذه المجالس ، تُعدّ معظم الخطط البلدية والموازنات اليوم دون مشاركة منظمة من المجتمع المحلي. أما حين تُنشأ هذه اللجان بآليات شفافة من داخل المجتمعات نفسها، فإن منطق التخطيط سيتغير جذريا وتصبح الموازنات أكثر استجابة للفئات المختلفة، وتُفتح الأبواب أمام طاقات مغيّبة في التنمية، ويغدو الاقتصاد المحلي جزءا من القرار البلدي، كما تُستعاد الثقافة والهوية المحلية بوصفهما ركيزتين من ركائز التنمية.
الأردن يعيش اليوم مرحلة تحديث، ولا توجد ساحة أنسب لترجمة هذا التحول من التحول في فلسفة الإدارة المحلية نفسها ، لأنها الأقرب إلى حياة الناس اليومية، وذلك عبر الانتقال من مجالس محلية مغلقة تكتفي بإدارة الشأن العام داخل حدودها المؤسسية، إلى مجالس محلية مفتوحة على مجتمعاتها، ترى في الناس شركاء في القرار، وتستند الى ديمقراطية تشاركية قريبة من المواطنين، يشاركون فيها قبل الانتخابات وبعدها.
ففتح المجالس على مجتمعاتها لا ينتقص من دور المنتخبين ولا من شرعية التمثيل، بقدر ما يعزّزه، لأنه يوسّع قاعدة النقاش، ويربط القرار بالخبرة اليومية للناس، ويعيد للمجالس دورها بوصفها فضاءً عامًا حيًّا، وليس كمجرد إطار إداري لإدارة الخدمات.
إن وجود مادة في القانون الجديد تُلزم مجالس الإدارة المحلية بإنشاء هذه اللجان من داخل مجتمعاتها، ومنحها دورا استشاريا وتشاوريا في إعداد الخطط والموازنات، سيشكّل نقلة نوعية في مفهوم المشاركة الشعبية. إذ كشف الواقع أن المواطن يحتاج إلى أدوات دائمة للتأثير، واللجان المجتمعية القطاعية هي الجسر الذي سيعمل بالتدريج على نقلنا من ممارسة حق الاقتراع فقط إلى القدرة على تمثيل قطاعات المجتمع والمشاركة الفعلية في صياغة القرار. وهذا ما تحتاجه الإدارة المحلية كي تتقدم.
من هنا، فإن أحد جوانب النقاش حول قانون الإدارة المحلية ينبغي أن ينتقل من عدد المجالس أو مقاعدها إلى السؤال الأعمق وهو كيف نوزّع السلطة؟ فالديمقراطية المحلية، في جوهرها، علاقة مستمرة بين المجتمع والقرار وعملية يومية يتشكّل فيها الحق في التأثير، والقدرة على المساءلة، وإمكانية تحويل التجربة الاجتماعية إلى سياسة عامة.
وحين ننظر إلى تجربتنا في الإدارة المحلية، نرى مفارقة واضحة، لدينا مجالس منتخبة تتمتع بشرعية قانونية، لكنها لا تزال محدودة القدرة على تمثيل المجتمع تمثيلا فعليا داخل عملية صنع القرار. فالانتخاب، على أهميته، لم يُترجم بعد إلى مشاركة مجتمعية واسعة ومنظَّمة، الأمر الذي أبقى الممارسة التشاركية داخل هذه المجالس محدودة، وأضعف أثرها المدني على المجتمع المحلي.
وبهذا، بقيت المجالس قائمة بوصفها هياكل تمثيلية، دون أن تتحول إلى فضاءات ديمقراطية حيّة قادرة على توسيع المشاركة، وبناء الثقة، وتعميق العمل العام. وهذه المفارقة تشكّل أحد الجوانب الجوهرية التي ينبغي أن يعالجها القانون الجديد للإدارة المحلية.
فما زالت قطاعات واسعة - النساء، والشباب، والمهنيون، والفاعلون الثقافيون - خارج دائرة التأثير الحقيقي، رغم أنهم يتحملون يوميا كلفة السياسات المحلية، في ظل غياب قنوات دائمة تُدخل المجتمع إلى جانب الأعضاء المنتخبين في عملية صنع القرار، وتُرسّخ المشاركة بوصفها ممارسة مؤسسية منتظمة.
فالمجالس المحلية هي المكان الذي تجسّد فيه الإرادة الاجتماعية بكل تنوّعها؛ أصوات النساء وأولوياتهن، وطموحات الشباب في المشاركة في رسم مستقبل مدينتهم، وديناميات المهن، والهوية الثقافية للمكان. غير أن هذه الإرادة لا تدخل تلقائيا إلى قاعة المجلس لأنها تحتاج إلى بنى مؤسسية واضحة تُحوّلها إلى معرفة منظَّمة، وإلى اقتراحات قابلة للنقاش، وإلى سياسات عامة.
وهنا تحديدا تنتقل المسألة من توصيف الإرادة الاجتماعية إلى البحث عن آليات مأسستها، بما يجعل اللجان المجتمعية القطاعية مدخلا ضروريا وقلبا حقيقيا للتحول الديمقراطي في الحكم المحلي. هذه اللجان، على اختلاف قطاعاتها - لجان المرأة، ولجان الشباب، ولجان المهن والحِرف، واللجان الاجتماعية والثقافية - لا تُشكّل هياكل موازية للمجالس المنتخبة، وإنما جسورا بينها وبين المجتمع. فهي الآلية التي تُدخل الخبرة الاجتماعية إلى عملية التخطيط، وتحوّل المواطن من متلقٍ للقرار إلى شريك في صياغته.
وفي ظل غياب هذه اللجان وباستثناء الأعضاء المنتخبين في هذه المجالس ، تُعدّ معظم الخطط البلدية والموازنات اليوم دون مشاركة منظمة من المجتمع المحلي. أما حين تُنشأ هذه اللجان بآليات شفافة من داخل المجتمعات نفسها، فإن منطق التخطيط سيتغير جذريا وتصبح الموازنات أكثر استجابة للفئات المختلفة، وتُفتح الأبواب أمام طاقات مغيّبة في التنمية، ويغدو الاقتصاد المحلي جزءا من القرار البلدي، كما تُستعاد الثقافة والهوية المحلية بوصفهما ركيزتين من ركائز التنمية.
الأردن يعيش اليوم مرحلة تحديث، ولا توجد ساحة أنسب لترجمة هذا التحول من التحول في فلسفة الإدارة المحلية نفسها ، لأنها الأقرب إلى حياة الناس اليومية، وذلك عبر الانتقال من مجالس محلية مغلقة تكتفي بإدارة الشأن العام داخل حدودها المؤسسية، إلى مجالس محلية مفتوحة على مجتمعاتها، ترى في الناس شركاء في القرار، وتستند الى ديمقراطية تشاركية قريبة من المواطنين، يشاركون فيها قبل الانتخابات وبعدها.
ففتح المجالس على مجتمعاتها لا ينتقص من دور المنتخبين ولا من شرعية التمثيل، بقدر ما يعزّزه، لأنه يوسّع قاعدة النقاش، ويربط القرار بالخبرة اليومية للناس، ويعيد للمجالس دورها بوصفها فضاءً عامًا حيًّا، وليس كمجرد إطار إداري لإدارة الخدمات.
إن وجود مادة في القانون الجديد تُلزم مجالس الإدارة المحلية بإنشاء هذه اللجان من داخل مجتمعاتها، ومنحها دورا استشاريا وتشاوريا في إعداد الخطط والموازنات، سيشكّل نقلة نوعية في مفهوم المشاركة الشعبية. إذ كشف الواقع أن المواطن يحتاج إلى أدوات دائمة للتأثير، واللجان المجتمعية القطاعية هي الجسر الذي سيعمل بالتدريج على نقلنا من ممارسة حق الاقتراع فقط إلى القدرة على تمثيل قطاعات المجتمع والمشاركة الفعلية في صياغة القرار. وهذا ما تحتاجه الإدارة المحلية كي تتقدم.




