شريط الأخبار

تبعات سيناريوهات الفشل والنجاح في مشوار مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية

تبعات سيناريوهات الفشل والنجاح في مشوار مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية
كرمالكم :  

م. سعيد المصري

يصعب النظر إلى مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية التي وُقعت في قصر فرساي باعتبارها مجرد تفاهم سياسي بين دولتين متخاصمتين أو محاولة مؤقتة لاحتواء أزمة إقليمية عابرة. فالمذكرة جاءت في لحظة استثنائية تشهد فيها المنطقة والعالم تحولات متسارعة تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتطال بنية النظام الدولي نفسه، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على انتقال العالم من مرحلة الهيمنة الأحادية إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتعدد فيها مراكز القوة والنفوذ.

وقد انقسمت التقديرات منذ اللحظة الأولى بين من رأى في المذكرة بداية لمسار سياسي جديد قد يفضي إلى تخفيض مستويات التوتر في الشرق الأوسط، وبين من اعتبرها مجرد هدنة مؤقتة فرضتها اعتبارات الحرب وكلفتها الاقتصادية والإنسانية دون أن تعالج الأسباب العميقة للصراعات القائمة. وبين هذين التقديرين يبقى السؤال الأهم: هل تمثل المذكرة بداية مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي، أم أنها مجرد محطة عابرة تسبق جولة أخرى من المواجهة وإعادة رسم التوازنات؟

تكمن أهمية هذا السؤال في أن تداعيات نجاح أو فشل المذكرة لا تقتصر على العلاقات الأمريكية–الإيرانية وحدها، بل تمتد إلى مجمل القضايا المرتبطة بمستقبل الأمن الإقليمي، ودور إسرائيل، واستقرار بلاد الشام، وأمن الطاقة العالمي، ومستقبل الملاحة البحرية، وإمكانات الاستثمار في مشاريع الربط الإقليمي والممرات الاقتصادية العابرة للحدود.

فالشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فمن جهة، تسعى الولايات المتحدة إلى إدارة الصراعات الإقليمية ومنع تحولها إلى حروب واسعة تهدد الاقتصاد العالمي ومصالحها الاستراتيجية. ومن جهة أخرى، تواصل قوى إقليمية ودولية إعادة تموضعها استعداداً لمرحلة جديدة قد تختلف جذرياً عن البيئة التي سادت خلال العقود الثلاثة الماضية.

ولعل ما يضفي بعداً إضافياً على هذه التحولات هو التزامن اللافت بين توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية وإطلاق الصين كتابها الأبيض الخاص بمبادرة الحوكمة العالمية، وهي المبادرة التي تعكس رؤية صينية لإعادة النظر في أسس إدارة النظام الدولي وتطرح تصوراً لعالم أكثر تعددية في مراكز القوة وأكثر تمثيلاً للدول النامية ودول الجنوب العالمي.

ومن هنا فإن تحليل مذكرة التفاهم لا ينبغي أن يقتصر على بنودها المباشرة أو فرص نجاحها وفشلها، بل يجب أن يُقرأ في سياق أوسع يشمل التحولات الجارية في بنية النظام الدولي، والتنافس بين الرؤى المختلفة لإدارة العالم، وانعكاس ذلك على مستقبل الشرق الأوسط وموقعه ضمن شبكات التجارة والطاقة والبيانات والممرات الاقتصادية التي يجري التخطيط لها خلال العقود القادمة.

أولاً: سيناريو نجاح مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية

إذا نجحت مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية في تجاوز المرحلة الانتقالية والوصول إلى ترتيبات أكثر استدامة، فإن الشرق الأوسط سيدخل مرحلة جديدة تختلف عن تلك التي سادت خلال السنوات الماضية. غير أن النجاح هنا لا يعني نهاية الصراعات أو التوصل إلى تسويات نهائية لكافة الملفات العالقة، بل يعني الانتقال من مرحلة الحروب المفتوحة إلى مرحلة إدارة التنافس والصراعات ضمن حدود يمكن التحكم بها.

فالمؤشرات الأولية توحي بأن الولايات المتحدة لا تسعى إلى إعادة صياغة علاقتها مع إيران على أسس تحالفية، ولا إلى دمجها الكامل في المنظومة الغربية، بقدر ما تسعى إلى احتواء مصادر التوتر التي تهدد استقرار أسواق الطاقة والممرات البحرية والتوازنات الإقليمية. وفي المقابل، تبدو إيران معنية بالحصول على متنفس اقتصادي يخفف من آثار العقوبات الطويلة ويتيح لها استعادة جزء من دورها الاقتصادي الإقليمي دون التخلي الكامل عن عناصر قوتها الاستراتيجية.

وفي حال نجاح هذا المسار، فإن أولى النتائج المتوقعة ستكون تراجع احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، وانخفاض مستوى المخاطر المرتبطة بالملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز وباب المندب، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على أسواق الطاقة العالمية وعلى قرارات الاستثمار طويلة الأجل.

كما قد يؤدي نجاح المذكرة إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة بعدد من الساحات الساخنة. فلبنان قد ينتقل تدريجياً من كونه ساحة مواجهة مفتوحة إلى ساحة خاضعة لتفاهمات أمنية أكثر استقراراً. كما قد تتراجع احتمالات تحول سوريا مجدداً إلى ساحة صراع إقليمي مباشر، بما يسمح بفتح نقاشات جديدة حول إعادة الإعمار والربط الاقتصادي الإقليمي.

أما بالنسبة لإسرائيل، فإن نجاح المذكرة قد يفرض واقعاً جديداً يتمثل في ازدياد الضغوط الأمريكية والدولية لضبط السلوك العسكري الإسرائيلي في الإقليم. فكلما ارتفعت أهمية إنجاح المسار التفاوضي الأمريكي–الإيراني، ازدادت الحاجة إلى منع أي طرف من تقويض هذا المسار عبر خطوات أحادية قد تؤدي إلى إعادة إشعال المواجهة الإقليمية.

غير أن نجاح المذكرة لا يعني بالضرورة معالجة جذور الأزمة الفلسطينية أو إنهاء الصراع العربي–الإسرائيلي. بل قد يقود إلى مرحلة جديدة من إدارة الصراع بدلاً من حله، حيث تستمر الضفة الغربية وغزة في تمثيل تحدٍ سياسي وأمني طويل الأمد، وإن ضمن مستويات أقل من التصعيد العسكري.

اقتصادياً، قد يؤدي نجاح المذكرة إلى تخفيض كلفة المخاطر السياسية التي طالما أعاقت تدفق الاستثمارات الكبرى إلى المنطقة. إلا أن المستثمرين الدوليين سيبقون حذرين ما لم تترافق التفاهمات السياسية مع ترتيبات أمنية مستقرة ومؤسسات قادرة على حماية الاستثمارات طويلة الأجل.

غير أن نجاح مذكرة التفاهم لن يعتمد على الإرادة الأمريكية والإيرانية وحدها، بل على قدرة القوى الإقليمية الرئيسية على التحول من أطراف متأثرة بالأزمة إلى شركاء في إدارتها. فاستقرار الشرق الأوسط لا يمكن أن يُبنى بصورة مستدامة من خلال تفاهمات ثنائية فقط، بل من خلال إطار إقليمي أوسع تشارك فيه الدول الأكثر تأثيراً في موازين المنطقة.

وفي هذا السياق تبرز أهمية بناء تفاهمات عملية تجمع إيران والمملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة بوصفها ركائز أساسية للاستقرار الإقليمي، بالتوازي مع الدور الذي تمارسه الولايات المتحدة وشركاؤها الغربيون. فنجاح أي ترتيبات مستقبلية يتطلب وجود آليات إقليمية قادرة على ممارسة الضغوط السياسية والأمنية على الأطراف غير المنضبطة أو الرافضة للتسويات، سواء كانت جماعات مسلحة غير حكومية أو قوى إقليمية تسعى إلى تقويض الاستقرار.

فكما تمتلك إيران تأثيراً مباشراً أو غير مباشر على عدد من الفاعلين المسلحين في لبنان والعراق واليمن، تمتلك الولايات المتحدة نفوذاً واسعاً على السياسات الإسرائيلية بحكم طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين الطرفين. ومن ثم فإن نجاح أي ترتيبات إقليمية جديدة سيظل مرتبطاً بمدى قدرة هذين المسارين من النفوذ على ضبط السلوكيات التي قد تدفع المنطقة مجدداً نحو التصعيد.

وبهذا المعنى، فإن استدامة الاستقرار لن تكون نتاج توازن ردع فحسب، بل نتاج توازن مسؤوليات أيضاً، تتشارك فيه القوى الإقليمية والدولية الرئيسية في إدارة الأزمات ومنع انزلاقها إلى مواجهات واسعة النطاق.

ثانياً: سيناريو فشل مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية وتداعياته على النظام الإقليمي والعالمي

إذا كان نجاح مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية قد يفتح الباب أمام مرحلة من الاستقرار النسبي وإدارة الصراعات ضمن حدود يمكن التحكم بها، فإن فشلها قد يقود إلى نتائج معاكسة تماماً، ليس فقط على مستوى العلاقات بين واشنطن وطهران، بل على مستوى مجمل التوازنات التي تشكلت في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة.

غير أن المقصود بالفشل هنا لا يقتصر على انهيار المفاوضات بصورة رسمية أو إعلان أحد الطرفين انسحابه من الالتزامات الواردة في المذكرة، بل يشمل أيضاً فشل تطبيقها عملياً نتيجة أحداث ميدانية أو تطورات سياسية تجعل استمرارها أمراً غير قابل للتحقق.

ويبرز هنا احتمال أن تتحول بعض الساحات الإقليمية إلى أدوات غير مباشرة لإفشال المسار التفاوضي. فاستمرار التوتر في لبنان، أو تصاعد المواجهات في سوريا، أو انفجار الأوضاع مجدداً في غزة، قد يؤدي إلى تقويض الثقة بين الأطراف المعنية وإعادة المنطقة إلى منطق الردع المتبادل والمواجهات المفتوحة.

وفي هذا السياق تبدو الساحة اللبنانية واحدة من أكثر نقاط الاختبار حساسية. فإذا كانت المذكرة قد فتحت الباب أمام وقف المواجهات الإقليمية، فإن استمرار العمليات العسكرية أو توسعها قد يضع واشنطن أمام معضلة حقيقية بين رغبتها في إنجاح المسار التفاوضي وبين التزاماتها التقليدية تجاه إسرائيل. كما أن أي تصعيد متبادل قد يعيد المنطقة إلى دائرة يصعب احتواؤها سياسياً.

أما في سوريا، فإن فشل المذكرة قد يؤدي إلى إطالة أمد حالة السيولة الأمنية والسياسية، ويؤخر فرص إعادة الإعمار وإعادة دمج الاقتصاد السوري في محيطه الإقليمي. كما قد تستمر الأراضي السورية كساحة لتقاطعات المصالح الإقليمية والدولية، بما يحد من فرص الاستقرار طويل الأمد.

وفي حال انهيار المذكرة، ستجد إسرائيل نفسها أمام بيئة مختلفة. فبدلاً من الضغوط الرامية إلى احتواء التصعيد، قد تعود الأولوية الأمنية والعسكرية لتطغى على الاعتبارات السياسية والاقتصادية. وقد يشجع ذلك بعض التيارات داخل إسرائيل على توسيع هامش العمل العسكري في لبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية، الأمر الذي يزيد من احتمالات المواجهة الإقليمية.

أما غزة، فقد تصبح إحدى أكثر الساحات تأثراً بفشل المذكرة. فغياب أي أفق سياسي إقليمي أو دولي سيزيد من صعوبة الوصول إلى ترتيبات مستقرة لإدارة القطاع وإعادة إعماره، وسيبقي مستقبل غزة رهينة التوازنات الأمنية المتغيرة.

اقتصادياً، لن تقتصر تداعيات الفشل على المنطقة وحدها. فارتفاع مستويات المخاطر السياسية والأمنية سيؤدي إلى زيادة كلفة التأمين والشحن والطاقة، كما سيؤثر سلباً على قرارات الاستثمار طويلة الأجل. وستصبح مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود أكثر صعوبة من حيث التمويل والتنفيذ، خصوصاً تلك التي تعتمد على بيئة إقليمية مستقرة نسبياً.

غير أن النتيجة الأعمق قد تتمثل في تعميق الشكوك العالمية حول قدرة النظام الدولي الحالي على إدارة الأزمات المعقدة والمتشابكة. ففشل إحدى أهم المبادرات الدبلوماسية في الشرق الأوسط سيعزز الانطباع بأن المؤسسات والترتيبات القائمة لم تعد قادرة وحدها على التعامل مع التحديات الجيوسياسية المتزايدة.

ومن هنا قد تتجه العديد من دول الجنوب العالمي إلى البحث عن أطر دولية أكثر تمثيلاً لمصالحها وأكثر قدرة على التعامل مع واقع دولي يتسم بتعدد مراكز القوة وتزايد الترابط بين الأمن والتنمية والاقتصاد.

وعند هذه النقطة تحديداً يكتسب التزامن بين مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية وإطلاق الصين لكتابها الأبيض حول «مبادرة الحوكمة العالمية» أهمية استثنائية. فبينما كانت واشنطن تحاول احتواء إحدى أكثر الأزمات الإقليمية تعقيداً، كانت بكين تطرح رؤية أشمل تتعلق بكيفية إدارة النظام الدولي نفسه في مرحلة تتسم بتراجع اليقين الاستراتيجي وتنامي الحاجة إلى ترتيبات أكثر شمولاً وتمثيلاً وتوازناً.

وبذلك يصبح فشل المذكرة أكثر من مجرد إخفاق دبلوماسي إقليمي؛ إذ قد يتحول إلى عامل إضافي يسرّع النقاش العالمي حول مستقبل النظام الدولي وشكل التوازنات التي ستقود العالم خلال العقود القادمة.

ثالثاً: مبادرة الحوكمة العالمية… الرؤية الصينية لعالم متعدد الأقطاب

لم يكن التزامن بين توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية وإطلاق الصين لكتابها الأبيض حول «مبادرة الحوكمة العالمية» مجرد مصادفة زمنية، بل عكس وجود مقاربتين مختلفتين للتعامل مع مرحلة التحول التي يشهدها النظام الدولي.

ففي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تسعى إلى إدارة واحدة من أكثر الأزمات الإقليمية تعقيداً في الشرق الأوسط، كانت الصين تطرح رؤية أشمل تتعلق بكيفية إدارة النظام الدولي نفسه في القرن الحادي والعشرين.

وتنطلق مبادرة الحوكمة العالمية من فرضية أساسية مفادها أن العالم لم يعد يشبه العالم الذي نشأت فيه المؤسسات الدولية الرئيسية بعد الحرب العالمية الثانية. فموازين القوة الاقتصادية والتكنولوجية والديموغرافية تغيرت بصورة جوهرية، بينما بقيت أجزاء كبيرة من منظومة الحوكمة العالمية تعمل وفق تصورات تعود إلى حقبة تاريخية مختلفة.

وترى الصين أن التحديات العالمية الجديدة، بما في ذلك النزاعات الإقليمية، والأمن الغذائي، وأمن الطاقة، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والأوبئة، وسلاسل الإمداد العالمية، تتطلب أشكالاً جديدة من التعاون الدولي تقوم على مشاركة أوسع للدول النامية ودول الجنوب العالمي.

وفي هذا الإطار تطرح مبادرة الحوكمة العالمية مجموعة من المبادئ الأساسية، أبرزها تعزيز التعددية الدولية، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتقوية دور الأمم المتحدة، وإصلاح المؤسسات الدولية بما يعكس التوازنات العالمية الجديدة، وربط الأمن بالتنمية الاقتصادية، وتعزيز العدالة في توزيع فرص النمو والتقدم التكنولوجي.

ولا تنظر الصين إلى الأمن باعتباره مفهوماً عسكرياً بحتاً، بل باعتباره نتاجاً للتنمية والاستقرار والازدهار المشترك. ولذلك فإن المبادرة تربط بصورة مباشرة بين الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية والتكامل الإقليمي والتقدم التكنولوجي.

ومن وجهة نظر بكين، فإن أحد أبرز أوجه الخلل في النظام الدولي الحالي يتمثل في استمرار الفجوة بين الشمال والجنوب، وبين الدول المتقدمة والدول النامية، سواء من حيث فرص التنمية أو القدرة على التأثير في القرارات الدولية. ولهذا تسعى المبادرة إلى منح دول الجنوب العالمي دوراً أكبر في صياغة قواعد الاقتصاد العالمي وإدارة القضايا العابرة للحدود.

غير أن أهمية المبادرة لا تكمن فقط في المبادئ التي تطرحها، بل في التوقيت الذي ظهرت فيه. فالعالم يشهد اليوم مرحلة انتقالية تتراجع فيها القدرة على فرض إرادة قوة واحدة على النظام الدولي بأكمله، في الوقت الذي لم تتبلور فيه بعد قواعد مستقرة للنظام متعدد الأقطاب الذي يتشكل تدريجياً.

وهنا يبرز السؤال المركزي: هل تمثل مبادرة الحوكمة العالمية مشروعاً بديلاً للنظام الدولي القائم أم محاولة لإصلاحه من الداخل؟

لا يوجد حتى الآن جواب حاسم على هذا السؤال. فالصين تؤكد أن هدفها ليس هدم المؤسسات القائمة، بل تطويرها وجعلها أكثر تمثيلاً وعدالة. في المقابل، تنظر بعض القوى الغربية إلى المبادرة باعتبارها محاولة لإعادة توزيع النفوذ العالمي بطريقة تقلص من قدرة الغرب على الانفراد بصياغة القواعد والمعايير الدولية.

وبغض النظر عن اختلاف التفسيرات، فإن المبادرة تعكس حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أن العالم يتجه تدريجياً نحو مرحلة تصبح فيها مراكز القوة أكثر تعدداً، وتزداد فيها أهمية التوافقات الدولية والشراكات العابرة للأقاليم مقارنة بالأنماط التقليدية للهيمنة.

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية ومبادرة الحوكمة العالمية باعتبارهما تعبيرين مختلفين عن مرحلة التحول ذاتها. فبينما تسعى واشنطن إلى إدارة الأزمات ومنع انفجارها، تسعى بكين إلى المشاركة في صياغة القواعد التي ستدار من خلالها هذه الأزمات مستقبلاً.

وفي حال نجاح المذكرة الأمريكية–الإيرانية، قد تجد مبادرة الحوكمة العالمية بيئة أكثر ملاءمة للانتشار، حيث يزداد اهتمام الدول بالاستقرار والتنمية والتكامل الاقتصادي. أما إذا فشلت المذكرة وعادت المنطقة إلى دوامات التصعيد، فقد تزداد أيضاً جاذبية المبادرة لدى بعض دول الجنوب العالمي التي ترى في النظام الدولي الحالي عجزاً متكرراً عن منع الأزمات أو احتوائها.

وفي الحالتين، يبدو أن الشرق الأوسط لن يكون مجرد متلقٍ للتحولات الدولية، بل أحد الميادين الرئيسية التي ستختبر فيها القوى الكبرى رؤاها المختلفة لمستقبل النظام العالمي ولمفهوم الأمن وللعلاقة بين التنمية والاستقرار وللدور الذي يمكن أن تلعبه الأقاليم الاقتصادية وشبكات الترابط العابرة للحدود في عالم متعدد الأقطاب.

رابعاً: إسرائيل بين طموحات التفوق الإقليمي ومتطلبات النظام الإقليمي الجديد

إذا كانت مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية تمثل اختباراً لمستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران، فإنها تمثل في الوقت ذاته اختباراً لموقع إسرائيل ودورها في البيئة الإقليمية الجديدة التي بدأت تتشكل بعد سنوات طويلة من الحروب والأزمات المتلاحقة.

فعلى امتداد العقود الماضية، بنت إسرائيل جزءاً مهماً من استراتيجيتها الأمنية على التفوق العسكري النوعي، وحرية الحركة العملياتية، والقدرة على توجيه ضربات استباقية ضد مصادر التهديد المحتملة. وقد أتاحت البيئة الإقليمية المضطربة لإسرائيل هامشاً واسعاً للتحرك ضمن مسرح جغرافي يمتد من غزة والضفة الغربية إلى لبنان وسوريا، وصولاً إلى المواجهة غير المباشرة مع إيران.

إلا أن التحولات الجارية حالياً قد تفرض معادلات جديدة. فكلما ازدادت أهمية الاستقرار الإقليمي بالنسبة للقوى الكبرى، ازدادت الضغوط على جميع الأطراف لتجنب الخطوات التي قد تؤدي إلى انهيار الترتيبات السياسية والأمنية الناشئة.

وفي حال نجاح مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية، قد تجد إسرائيل نفسها أمام واقع يفرض قيوداً متزايدة على استخدام القوة العسكرية كأداة رئيسية لإدارة التحديات الإقليمية. ولن يكون ذلك نتيجة تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل، بل نتيجة تغير أولويات الولايات المتحدة نفسها، التي قد ترى أن استقرار المنطقة أصبح ضرورة لحماية المصالح الاقتصادية العالمية، وضمان أمن الطاقة، وتطوير مشاريع الربط الإقليمي التي يجري العمل عليها في أكثر من اتجاه.

وفي المقابل، فإن فشل المذكرة قد يمنح إسرائيل هامش حركة أوسع على المدى القصير، لكنه سيضعها أيضاً في بيئة أكثر اضطراباً وأقل قابلية للتنبؤ. فاستمرار الصراعات المفتوحة قد يكرس التفوق العسكري الإسرائيلي، لكنه سيجعل من الصعب بناء بيئة إقليمية مستقرة وقادرة على جذب الاستثمارات والمشاريع الكبرى التي تحتاجها المنطقة بأسرها.

وتبرز الساحتان اللبنانية والسورية باعتبارهما من أهم ميادين الاختبار لهذه المعادلة الجديدة. فإسرائيل تنظر إلى وجود قوى مسلحة مرتبطة بإيران على حدودها الشمالية باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها القومي، بينما ترى أطراف أخرى أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل هذه الساحات يمثل عاملاً دائماً لعدم الاستقرار. وبين هذين المنظورين ستجد الولايات المتحدة نفسها مطالبة بالتوفيق بين التزاماتها التقليدية تجاه إسرائيل وبين سعيها إلى منع انهيار أي ترتيبات إقليمية جديدة.

أما القضية الفلسطينية فتظل الحلقة الأكثر تعقيداً في المشهد بأكمله. فبعد عقود من إدارة الصراع دون التوصل إلى تسوية نهائية، بات من الصعب تصور استقرار إقليمي طويل الأمد في ظل استمرار التوترات في الضفة الغربية وغزة.

ويكتسب قطاع غزة أهمية خاصة في هذا السياق، ليس فقط بسبب أبعاده الإنسانية والسياسية، بل أيضاً بسبب موقعه الجغرافي ضمن منظومة شرق البحر المتوسط. فمستقبل غزة لن يؤثر على الفلسطينيين والإسرائيليين وحدهم، بل سيؤثر أيضاً على شكل البيئة الإقليمية التي ستقوم عليها مشاريع الطاقة والموانئ والممرات الاقتصادية خلال العقود القادمة.

وإذا كانت بعض السيناريوهات تتحدث عن استمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية المباشرة أو غير المباشرة، فإن سيناريوهات أخرى تطرح إمكانية إدارة انتقالية متعددة الأطراف، أو ترتيبات فلسطينية مدعومة عربياً ودولياً، أو صيغ هجينة تجمع بين أكثر من نموذج. غير أن العامل الحاسم في جميع هذه السيناريوهات يتمثل في القدرة على توفير حد أدنى من الاستقرار السياسي والأمني يسمح بإعادة الإعمار وإعادة دمج القطاع في محيطه الاقتصادي.

وعلى المدى الأبعد، قد تجد إسرائيل نفسها أمام خيار استراتيجي يتجاوز الاعتبارات الأمنية المباشرة: هل تواصل الاعتماد على منطق التفوق العسكري باعتباره الضامن الرئيسي لمكانتها الإقليمية، أم تنخرط تدريجياً في بيئة إقليمية تقوم على الترابط الاقتصادي والاعتماد المتبادل والمصالح المشتركة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لن تؤثر على مستقبل إسرائيل وحدها، بل ستؤثر أيضاً على شكل الشرق الأوسط الذي سيتبلور خلال العقود القادمة.

خامساً: من نقاط الاختناق الجيوسياسية إلى شبكات الممرات متعددة الطبقات والعقد الاقتصادية المتكاملة

إذا كان القرن العشرون قد شهد صراعاً على الممرات الاستراتيجية ونقاط الاختناق البحرية والبرية، فإن القرن الحادي والعشرين يشهد تحولاً تدريجياً نحو مفهوم مختلف يقوم على بناء شبكات مترابطة قادرة على التكيف مع الأزمات والتقلبات الجيوسياسية.

لقد أظهرت الحروب والأزمات المتلاحقة في الشرق الأوسط، كما أظهرت اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية خلال السنوات الأخيرة، أن الاعتماد على مسار واحد أو ميناء واحد أو معبر واحد يجعل الاقتصادات أكثر هشاشة وأكثر عرضة للصدمات السياسية والأمنية.

ومن هنا برزت أهمية مفهوم "المرونة عبر التكرار الوظيفي وتعدد المسارات”، وهو مفهوم يقوم على توفير بدائل متعددة لحركة التجارة والطاقة والبيانات والاستثمار، بحيث لا يؤدي تعطل إحدى الحلقات إلى تعطيل المنظومة بأكملها.

وفي عالم يتجه نحو تعددية الأقطاب، تصبح الحاجة إلى تعددية الممرات امتداداً طبيعياً للحاجة إلى تعددية مراكز القوة. فكما لم يعد الاقتصاد العالمي يعتمد على مركز واحد، لم يعد من المنطقي أن تعتمد التجارة الدولية أو تدفقات الطاقة والبيانات على مسار واحد أو عقدة واحدة.

وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في الشرق الأوسط بحكم موقعه الجغرافي الذي يربط بين آسيا وأوروبا وإفريقيا. فالمنطقة تمتلك فرصة تاريخية للتحول من ساحة صراعات إلى منصة عالمية للربط الاقتصادي واللوجستي والرقمي.

وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى الموانئ والممرات المختلفة باعتبارها مشاريع متنافسة، بل باعتبارها عناصر متكاملة داخل منظومة إقليمية أوسع. فالعقبة والعريش وغزة مستقبلاً وحيفا وبيروت وطرابلس واللاذقية والإسكندرون يمكن أن تشكل معاً شبكة من العقد الاقتصادية واللوجستية القادرة على تعزيز مرونة المنطقة وتقليل اعتمادها على أي نقطة اختناق منفردة.

وينطبق الأمر ذاته على شبكات السكك الحديدية والطرق السريعة وخطوط الكهرباء والغاز ومشاريع الهيدروجين الأخضر وكابلات البيانات ومراكز البيانات. فالممرات الحديثة لم تعد مجرد ممرات للبضائع، بل أصبحت ممرات للطاقة والمعلومات ورأس المال والخدمات الرقمية.

ومن هذا المنطلق يمكن للأردن أن يؤدي دوراً محورياً في الربط بين بلاد الشام والعراق والجزيرة العربية ومصر وشرق المتوسط، مستفيداً من موقعه الجغرافي واستقراره النسبي. كما يمكن للعراق أن يتحول إلى جسر استراتيجي يربط الخليج العربي بتركيا وأوروبا، في حين تمثل مصر حلقة أساسية بين البحرين الأحمر والمتوسط، وتوفر تركيا منفذاً طبيعياً إلى الأسواق الأوروبية.

إن الهدف لا يتمثل في إنشاء ممر واحد ينافس الممرات الأخرى، بل في بناء شبكة إقليمية متعددة الطبقات من الممرات والعقد الاقتصادية تسمح بتوزيع المخاطر وتعظيم المنافع المشتركة. فكلما ازدادت البدائل، ازدادت قدرة المنطقة على جذب الاستثمارات، وارتفعت قدرتها على الصمود أمام الأزمات، وتحولت الجغرافيا من مصدر للمخاطر إلى مصدر للفرص.

وهكذا تصبح الممرات الاقتصادية أكثر من مجرد مشاريع بنية تحتية؛ إنها أدوات لإعادة تشكيل العلاقات الإقليمية على أسس جديدة تقوم على المصالح المتبادلة والاعتماد الاقتصادي المتبادل، بما يجعل الاستقرار أكثر ربحية من الصراع، والتعاون أكثر جدوى من المواجهة.

سادساً: الشرق الأوسط في عالم متعدد الأقطاب

يقف الشرق الأوسط اليوم عند نقطة تحول تاريخية تتجاوز في أهميتها حدود مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية أو أي أزمة إقليمية منفردة. فالمنطقة تجد نفسها في قلب عملية إعادة تشكيل أوسع للنظام الدولي، حيث تتراجع تدريجياً ملامح الهيمنة الأحادية التي سادت خلال العقود الماضية، بينما تتبلور معالم عالم أكثر تعددية في مراكز القوة والنفوذ.

وفي هذا العالم الجديد، لن يكون السؤال الرئيسي هو أي قوة ستقود النظام الدولي منفردة، بل كيف ستتعايش القوى الكبرى والإقليمية ضمن منظومة أكثر تعقيداً وتشابكاً. وهنا تبرز الولايات المتحدة والصين باعتبارهما القوتين الأكثر تأثيراً في صياغة المرحلة المقبلة، وإن اختلفت أدوات كل منهما ومقارباتها.

فالولايات المتحدة تبدو معنية بإدارة الأزمات ومنع تحولها إلى حروب واسعة تهدد مصالحها العالمية، في حين تسعى الصين من خلال مبادرة الحوكمة العالمية إلى المشاركة في صياغة القواعد التي ستنظم العلاقات الدولية في عصر التعددية القطبية. وبين المقاربتين لا يدور التنافس فقط حول النفوذ، بل حول تعريف مفهوم الاستقرار ذاته، وحول العلاقة بين الأمن والتنمية، وحول الكيفية التي ينبغي أن تُدار بها الأزمات الإقليمية في عالم تتزايد فيه درجة الترابط الاقتصادي والتكنولوجي.

وفي هذا السياق، تبدو مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية أكثر من مجرد اتفاق سياسي مؤقت. فهي تمثل اختباراً لمدى قدرة القوى الكبرى على الانتقال من منطق إدارة الحروب إلى منطق إدارة التوازنات، ومن الاعتماد على الردع العسكري وحده إلى توظيف أدوات الاقتصاد والاستثمار والتنمية كعناصر مكمّلة للاستقرار.

غير أن نجاح المذكرة، حتى لو تحقق، لن يعني بالضرورة نهاية الصراعات في الشرق الأوسط. فالمنطقة لا تزال تحمل إرثاً ثقيلاً من النزاعات الحدودية والهويات المتصارعة والاختلالات الاقتصادية والتنافسات الإقليمية. ولذلك فإن أفضل ما يمكن أن تحققه المذكرة هو خلق بيئة أكثر قابلية لإدارة الخلافات دون الانزلاق إلى مواجهات شاملة.

أما إذا فشلت المذكرة أو تعثر تطبيقها، فإن المنطقة قد تشهد موجة جديدة من الاستقطاب والتوتر، لكن ذلك لن يعيد العالم إلى ما كان عليه قبل عقدين أو ثلاثة. فالقوى الإقليمية أصبحت أكثر استقلالية، ودول الجنوب العالمي أصبحت أكثر حضوراً، والاقتصاد العالمي أصبح أكثر تشابكاً، والتكنولوجيا أصبحت أكثر تأثيراً في تشكيل موازين القوة.

وفي هذا الإطار، لا تبدو إسرائيل خارج عملية التحول هذه، بل جزءاً منها. فكما أن إيران مطالبة بالتكيف مع بيئة إقليمية ودولية جديدة، فإن إسرائيل بدورها ستواجه أسئلة متزايدة حول كيفية المواءمة بين اعتبارات الأمن التقليدي ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي والإقليمي الذي تحتاجه المنطقة بأسرها. كما أن مستقبل غزة والضفة الغربية سيبقى عاملاً حاسماً في تحديد مدى قدرة الشرق الأوسط على الانتقال من إدارة الصراع إلى بناء الاستقرار.

ومن جهة أخرى، فإن مبادرة الحوكمة العالمية تعكس اتجاهاً أوسع نحو إعادة النظر في طبيعة النظام الدولي ومؤسساته. وقد لا تنجح المبادرة في تحقيق جميع أهدافها، لكنها تشير إلى حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أن العالم يتجه نحو توزيع أوسع للقوة والنفوذ والقدرة على التأثير في صياغة القواعد الدولية.

وفي ظل هذه التحولات، تبرز الممرات الاقتصادية وشبكات الطاقة والبيانات بوصفها الترجمة العملية لعالم متعدد الأقطاب. فالتعددية السياسية تحتاج إلى تعددية اقتصادية، والتعددية الاقتصادية تحتاج بدورها إلى شبكات مرنة من الممرات والعقد الاقتصادية القادرة على الصمود أمام الأزمات.

ومن هنا تكتسب فكرة "المرونة عبر التكرار الوظيفي وتعدد المسارات” أهمية استراتيجية خاصة. فبدلاً من الاعتماد على ممر واحد أو ميناء واحد أو دولة عبور واحدة، يصبح بناء شبكة متعددة الطبقات من الممرات والعقد الاقتصادية الوسيلة الأكثر فاعلية للتعامل مع عالم يتسم بعدم اليقين.

وفي هذه الرؤية، لا يعود شرق المتوسط مجرد مساحة جغرافية تفصل بين آسيا وأوروبا، بل يتحول إلى منظومة مترابطة من الموانئ والمراكز اللوجستية وممرات الطاقة والبيانات والاستثمار. كما لا تعود بلاد الشام والعراق والجزيرة العربية مجرد أقاليم متجاورة، بل مكونات أساسية في شبكة اقتصادية أوسع يمكن أن تشكل أحد أهم محركات النمو والاستقرار خلال العقود القادمة.

إن التحدي الحقيقي أمام دول المنطقة لا يكمن في اختيار محور دولي على حساب آخر، ولا في الانحياز الكامل لهذا القطب أو ذاك، بل في القدرة على الاستفادة من التعددية القطبية لبناء منظومة إقليمية أكثر توازناً ومرونة واستقلالية. فالعالم القادم لن يكون عالم الهيمنة المطلقة، كما أنه لن يكون عالم التوافق الكامل، بل عالم التنافس المنظم داخل شبكات متزايدة من الاعتماد المتبادل.

وعند هذه النقطة تحديداً تلتقي نتائج مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية، ومبادرة الحوكمة العالمية، ومستقبل غزة، وموقع إسرائيل، ومشاريع الممرات الاقتصادية، ضمن رؤية واحدة مفادها أن استقرار الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين لن يُبنى على موازين القوة العسكرية وحدها، بل على موازين المصالح المشتركة والاعتماد المتبادل والقدرة على تحويل الجغرافيا من مصدر للصراعات إلى منصة للتنمية والتكامل والتعاون.

وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من المرحلة الراهنة: فبينما تتغير خرائط النفوذ وتتبدل موازين القوى، تبقى قدرة الشعوب والدول على بناء المصالح المشتركة هي العامل الأكثر استدامة في صناعة الاستقرار. وإذا كان القرن الماضي قد شهد صراعاً على الجغرافيا، فإن القرن الحالي قد يشهد تنافساً على من يستطيع توظيف تلك الجغرافيا لخدمة التنمية والازدهار والتكامل الإقليمي. وفي هذا السياق، قد لا تكون مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية سوى واحدة من المحطات التي تكشف اتجاه التاريخ، لكنها ليست بالضرورة المحطة التي ستحدد وحدها وجهته النهائية.