شريط الأخبار

نظام البصمة للأطباء و دستورية المادة (46) من نظام ادارة الموارد البشرية رقم (33) لسنة 2024

نظام البصمة للأطباء و دستورية المادة (46) من نظام ادارة الموارد البشرية رقم (33) لسنة 2024
كرمالكم :  

بقلم الدكتور حازم القرالة

الناطق الإعلامي باسم نقابة الأطباء الأردنية

لقد استقر الفقه والقضاء الدستوري على مبدأ سمو الدستور وهو بهذه الصفه يعلو على ما سواه من التشريعات وهو يقرر الحقوق و الحريات العامة ويرتب الضمانات الأساسية لحمايتها، وتلتزم باحكامة القوانين والانظمه ولا يجوز لاي نص أدنى مرتبه ان يخالفها

ومن هنا  فان البحث في مدى دستورية النصوص التنظيمية لا ينفصل عن ضرورة تحقيق الانسجام بين مختلف درجات التشريع وضمان عدم الخروج عن الاطار الدستوري الناظم للحقوق والواجبات.

وفي هذا الاطار تبرز المادة (46) من نظام ادارة الموارد البشرية رقم (33) لسنة 2024 والتي نظمت مسالة الدوام الرسمي  فنصت في فقرتها (أ) على تحديد ساعات العمل بواقع سبع ساعات يوميا ولمدة خمسة ايام في الاسبوع مع جواز تكليف الموظف بساعات عمل إضافية، كما اجازت الفقرة (ب) من المادة ذاتها  وبقرار من مجلس الوزراء استثناء بعض الدوائر من هذا التنظيم اذا اقتضت طبيعة عملها ذلك شريطة الا تقل ساعات العمل الاسبوعية عن (35) ساعة.

وعندما ننظر  في مدى توافق هذا النص مع احكام الدستور الأردني  وتحديدا المادة (٢٣)، التي اوجبت تحديد ساعات العمل ومنح العمال ايام الراحة الاسبوعية والسنوية مع الاجر يثور التساؤل حول ما اذا كان هذا الالزام الدستوري يقتضي تحديد حد ادنى وحد اعلى صريحين لساعات العمل ام انه  يكتفي بوجود تنظيم يمنع اطلاقها دون ضابط.

ان التفسير السليم للنص الدستوري يظهر ان المقصود من عبارة تحديد ساعات العمل هو منع تركها مفتوحة او خاضعة للسلطة التقديرية المطلقة بما قد يؤدي الى الاضرار بحقوق العامل او الموظف الا ان هذا التحديد لا يشترط ان يرد بصورة رقمية جامدة تجمع بين حد ادنى وحد اعلى في ذات النص بل  انه يكفي ان يكون هناك اطار تشريعي منضبط ينظم ساعات العمل ويضع لها قيودا واضحة تحول دون التعسف.

ومن هنا يتبين ان المادة (46) قد انسجمت مع هذا المفهوم  اذ حددت الاصل العام لساعات العمل اليومية والاسبوعية بما لا يقل عن (35) ساعة اسبوعيا وهو ما يحقق الحد الادنى للحماية التي استهدفها الدستور لكنها الوقت ذاته لم تترك مسالة الزيادة على ساعات العمل دون تنظيم بل عالجتها من خلال ربطها بالتكليف الوظيفي  بقرار من مجلس الوزراء في حالات الاستثناء التي تفرضها طبيعة العمل.

 وقطعا لا يفهم من عدم النص على حد اعلى رقمي صريح ان المشرع الأردني  قد خالف الدستور بل على العكس  انتهج اسلوبا تشريعيا مرنا يقوم على وضع قاعدة عامة واحالة التفاصيل الى السلطة التنفيذية المختصة لتقديرها وفق طبيعة عمل كل دائرة.

وهذا التنظيم لا يعد تفويضا مطلقا، انما  تفويض منضبط تمارسه الجهات المختصة ضمن حدود المصلحة العامة وتحت رقابة المشروعية سواء الادارية او القضائية بما يضمن عدم تحول ساعات العمل الاضافية الى التزام مفتوح او غير محدد.

وعليه فان تحديد الحد الاعلى لساعات العمل لا يستمد فقط من نص المادة (46) وحدها وانما يفهم من مجمل المنظومة التشريعية التي تنظم التكليف بالعمل الاضافي والقرارات الصادرة عن مجلس الوزراء والجهات المختصة الامر الذي يحقق الغاية الدستورية في تنظيم ساعات العمل دون الاخلال بمرونة المرفق العام، ونستخلص من ذلك انه ورغم ما اتسمت به المادة (46) من مرونة تشريعية فان هذه المرونة لا تعني اغفال ضرورة وضع سقف اعلى لساعات العمل في الحالات الاستثنائية التي اشارت اليها الفقرة (ب)، ولا سيما للوظائف التي تقتضي طبيعة عملها الخروج عن نمط الدوام التقليدي كالأطباء مثلا  اذ ان خصوصية عملهم  وما يرتبط بها من واجبات انسانية ومهنية مستمرة تفرض في ذات الوقت ضرورة تنظيم الحد الاعلى لساعات العمل بشكل واضح بما يحقق التوازن بين متطلبات المرفق الصحي وضمان عدم ارهاق الكوادر الطبية وهذا جوهر الانسجام التشريعي مع الدستور وهذا الطرح برز وعلى مدى سنوات كاحد اهم محاور النقاش بين نقابة الاطباء الاردنية ووزارة الصحة الاردنية لا سيما في سياق تطبيق نظام البصمة لمراقبة الدوام

وعليه فان القول بمرونة النص لا يغني عن ضرورة استكماله بقرارات ادارية تحدد الحدود العليا لساعات العمل في هذه الحالات  بما ينسجم مع الغاية الدستورية في تنظيم العمل ويمنع في الوقت ذاته اي تطبيق قد يؤدي الى ارهاق الموظف او الاخلال بكفاءة المرفق العام.

اخيرا أرى أن المادة (46) من نظام ادارة الموارد البشرية رقم (33) لسنة 2024 تعد متوافقة مع احكام الدستور الأردني وتمثل نموذجا للتنظيم التشريعي المرن الذي يوازن بين حماية حقوق الموظف ومتطلبات سير المرافق العامة بحيث لا تكون ساعات العمل مطلقة دون قيد ولا مقيدة بقالب جامد يعجز عن استيعاب خصوصية العمل.