د. نضال المجالي
كنت كشافا، ثم قائدا كشفيا يحمل الشارة الخشبية، كنت مسؤولا كشفيا، ومؤسسا مع الأستاذ طهبوب لأول مجموعة كشفية بحرية أردنية "الكشاف البحري الأردني"، كنت عضوا في لجنة العلاقات العامة والإعلام في جمعية الكشافة والمرشدات الأردنية، شاركت في لقاءات دولية واستقطبت مشاريع ومنحا تدريبية، أدرت مخيمات وفرقا كشفية ونفذت المشاريع التطوعية، وفي كل مرحلة، كنت أكتشف أن الكشافة لم تكن نشاطا جانبيا في حياتي، بل كانت الأساس لكل شيء جميل فيها.
هناك أشياء لا
تُشرح بسهولة لمن لم يعشها، كيف يمكن لطفل أن يتعلم من طابور الصباح أكثر مما
يتعلمه من عشرات المحاضرات والمؤتمرات والندوات؟ كيف يمكن لرفع العلم أن يتحول من
"فقرة مدرسية" إلى لحظة لها هيبة ومعنى؟
في الحركة
الكشفية، لم يكن أي شخص يقف في الصف الأول لمجرد الرغبة، كان عليك أن تكون مستعدا،
مرتبا، منضبطا، تعرف كيف ترتدي زيك، كيف تحترم وقتك، كيف تعمل ضمن فريق، وكيف
تتحمل مسؤولية أصغر مهمة قبل أكبرها، وإن لم تكن كذلك، فستبقى واقفا تراقب.
الكشافة كانت
أول مؤسسة غير مباشرة تقول لنا: الاستحقاق قبل الظهور، لم تكن تعلمنا فقط كيف نعقد
حبلا أو ننصب خيمة، بل كيف نبني أنفسنا، ولهذا، حين أنظر اليوم إلى كثير من برامج
ومبادرات ومؤتمرات الشباب في المشهد العام، أشعر أن ما ذاب فعلا ليس ما استطاعت
يوما الحركة الكشفية بناءها في جيل مضى، بل الفكرة التي كانت خلفها.
صرنا نعيش زمن
الصورة أكثر من زمن الأثر، زمن يريد فيه الجميع أن يظهروا في الصف الأول، دون أن
يمروا أصلا برحلة التدريب الطويل، نريد النجاح السريع، والإنجاز السريع، واللقب
السريع، وحتى الوطنية السريعة أحيانا.
بينما الكشافة
كانت تقول شيئا مختلفا تماما:
لن تحمل
الراية أو تعلق الشارة لأنك تريد الصورة، بل لأنك جاهز لحمل المسؤولية.
اليوم، في أي
مجال، إن لم تكن مهاريا، متمكنا، محصنا بالخبرة، ستبقى واقفا تراقب الآخرين، تماما
كما كان يقف الطالب غير الكشفي يراقب مراسم رفع العلم دون أن يكون جزءا منها، لكن
المؤلم أننا لم نعد نحب فكرة وجودة "التدريب" أصلا، نحب النتائج ونشر
صورة "باج" المشاركة أو استلام شهادة الحضور لا الوعي.
ولهذا أصبحت
كثير من المبادرات تشبه العناوين اللامعة أكثر مما تشبه المشاريع الحقيقية، نطلق
الأفكار بسرعة، نحتفل بها بسرعة، نجتمع في قاعات فنادق فاخرة لنتحدث عن البطالة
والفقر مثلا! نصمم للمبادرات شعارات جذابة، ثم نتركها تموت بهدوء بمجرد انتهاء
التصوير أو مغادرة راعي الحفل.
حتى العمل
التطوعي تغيّر، في السابق، كان العمل العام يُبنى على الصبر والتراكم والأثر،
اليوم، كثير منه يُبنى على التوثيق الفوري والانطباع السريع، والأجر المدفوع وحتى
أنه يُنشأ كثيرا لجلب التمويل لا أكثر.
حتى إن ما
نتغنى به اليوم بين الشباب بدخول عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد
الرقمي، ما أن نتعمق قليلا نرى أنه دخول
بعقلية تخاف من الاستثمار الحقيقي بالإنسان، وكأننا نخوض حربا إلكترونية بينما
نحمل في عقولنا "كمبيوتر صخر".
المشكلة ليست
في الأدوات، بل في طريقة التفكير، لأن التطور لا يحدث بالشعارات، بل ببناء الإنسان
القادر على الاستمرار.
ولهذا، حين
أعود بذاكرتي إلى الكشافة، لا أتذكر فقط المخيمات والرحلات والأناشيد والعيش
الحقيقي، بل اتذكر أيضا عندما تشاركنا الأميرة بسمة بنت طلال - منحها الله الصحة
والقوة - هيبة حضور افتتاح للمخيم بالزي الكامل وجمال روحها في كسر الجمود في ليلة
سمر، اتذكر أسماء كبيرة ومهمة لقادة كشافة كان يتردد ذكرها في البناء والعطاء دون
مقابل، منهم بشار المعشر وسعيد داود وسميح إسكندر وجبريل أبو درويش وفهد قاقيش ومنذر الزميلي -رحمهم الله-، استرجع
طيبة ووعي وتركيز القائد زاهي خضر وغيره من القادة كثير، استشعر يوميا عزم ودقة
وإصرار وتخطيط القائدة عبلة أبو نوار -رحمها الله-، أتذكر مدرسة كاملة صنعت داخلي
فكرة الانضباط، والعمل الجماعي، والاعتماد على النفس، واحترام الوطن دون ضجيج.
الكشافة لم تكن هواية مرّت في حياتي، بل كانت التدريب الأول على الحياة نفسها، ولهذا ربما يؤلمني ذوبانها اليوم عما كانت وانطلقت أردنيا، لأنني أعرف تماما كم كانت قادرة على صناعة جيل لا يكتفي بالتصفيق أو حضور مؤتمرات تنتهي بالتقاط صورة، فهل هناك من هم خلف هذا التهميش والذوبان؟ ولمصلحة من؟
الغد




