محمد حسن التل
ثمة كتب تُقرأ لأنها توثق مرحلة، وأخرى لأنها تفتح بابًا لفهمها، ينتمي كتاب "من فرصتنا الأخيرة إلى الأمل الدائم.. فن الممكن في زمن المستحيل" لمؤلفه الجنرال المخضرم "محمد خير" الصباغ إلى الفئة الثانية فهو لا يعيد تقديم كتاب جلالة الملك عبد الله الثاني "فرصتنا الأخيرة" بقدر ما يحاول تتبع المسار الفكري الذي تشكل انطلاقًا منه، وقراءة الامتدادات التي وجدها في الأوراق النقاشية الملكية، والخطابات والمواقف السياسية، وصولًا إلى بلورة رؤية متكاملة للدولة والإصلاح ودور الأردن في محيطه العربي والدولي.
ما يلفت الانتباه منذ الصفحات الأولى للكتاب أن المؤلف لا يتعامل مع النصوص الملكية بوصفها وثائق متفرقة فرضتها مناسبات مختلفة، وإنما بوصفها أجزاءً من بناء فكري واحد، لذلك فإن الكتاب يحاول اكتشاف الفكرة التي تمنح هذا المسار تماسكه، وكيف تطورت عبر أكثر من عقدين من الزمن في مواجهة تحولات إقليمية ودولية لم تكن هادئة أو مستقرة.
من هنا، تبدو "فرصتنا الأخيرة" أكثر من مجرد سيرة سياسية أو شهادة على مرحلة مفصلية. فالكتاب يقرأها باعتبارها النص المؤسس لرؤية تقوم على الإيمان بأن السياسة ليست إدارة للأزمات فحسب، وإنما قدرة على استباقها، وأن القيادة لا تُقاس بحجم التحديات التي تواجهها، بل بالخيارات التي تبتكرها في مواجهتها.
ولعل أكثر الأفكار حضورًا في هذا العمل
هي فكرة الاعتدال، لكن ليس بالمعنى الذي درج عليه الخطاب السياسي العربي.
فالاعتدال، كما يقدمه المؤلف هو موقف يحتاج إلى قدر من الحسم لا يقل عن المواجهة
نفسها، ومن هذا المنطلق، يقرأ الكتاب دعوات الملك عبد الله الثاني إلى السلام
والحوار والتعايش بوصفها خيارات إستراتيجية، لا شعارات أخلاقية منفصلة عن حسابات
السياسة.
في الوقت نفسه، يربط المؤلف بين السياسة الداخلية والدور الإقليمي، فلا يعامل الإصلاح باعتباره ملفًا محليًا منفصلًا عن مكانة الأردن الخارجية، بل يراهما وجهين لمعادلة واحدة. لذلك يحضر الحديث عن الأوراق النقاشية الملكية، ودولة القانون، والمواطنة الفاعلة، والتعليم، وتمكين الشباب، بالتوازي مع الموقف من القضية الفلسطينية، والوصاية الهاشمية، ورسالة عمّان، والدبلوماسية الأردنية، باعتبارها جميعًا تعبيرات عن فلسفة سياسية واحدة، لا عن ملفات متجاورة.
من نقاط القوة في الكتاب أنه لا يكتفي بوصف هذه الأفكار، بل يحاول بناء إطار تحليلي لفهمها، فقد أعلن المؤلف منذ البداية أسئلته ومنهجيته، ثم مضى في قراءة النصوص ضمن سياقاتها السياسية والتاريخية، وهو ما منح الكتاب طابعًا أقرب إلى الدراسة الفكرية منه إلى الكتاب التوثيقي.
ولعل العنوان نفسه يختصر الفكرة التي يريد المؤلف الوصول إليها فالانتقال من "فرصتنا الأخيرة" إلى "الأمل الدائم" يعكس انتقالًا من منطق التحذير من ضياع الفرصة إلى بناء فلسفة ترى في الأمل فعلًا سياسيًا، وفي الإصلاح عملية تراكمية، وفي المستقبل مشروعًا يُصنع بالإرادة والمؤسسات، لا بالانتظار.
الكتاب هو محاولة لرسم ملامح مدرسة في التفكير السياسي تشكلت عبر الزمن، وربطت بين المبادئ والممارسة، وبين الرؤية والقرار. ولهذا تأتي أهميته بوصفه عملاً يسعى إلى جمع الخيوط المتفرقة في خطاب الدولة الأردنية ضمن سياق واحد، يتيح للقارئ أن يقرأ الفكرة قبل الحدث، والمنهج قبل الموقف، والمسار قبل تفاصيله.




