فايز شبيكات الدعجه
أمضيت بضعة ايام متسكعا في شوارع أثينا
اتجول هنالك بلا وجهة محدده أو هدف ... اجوب شوارع المدينه المكتضة صامتا واكتفى
بالاستمتاع بمشاهدة آثارها العتيقة التاريخية الموغلة بالقدم وهي جاثمة بجانب
الأبنية الحضارية الحديثة بكل ما فيها من
رقي وتقدم ورفاه مذهل.
بقيت هكذا إلى قادتني الصدفة لمقهى
تتجمع فيه الجالية العربيه فجلست هناك، كانوا في تلك الساعة خليط من مصريين
ومغاربة وسوريين وعراقيين. واردني واحد.
عرف لهجتي فدنى مني ودنوت منه..
تعارفنا. وطلبت شاي. ثم سرعان ما استرسل في سرد سيرته الذاتية بتفاصيلها الدقيقة
.. لكن وبما ان طبيعتي فرضت عَلَيَّ قلة
الكلام فقد اكتفيت بالاسم ومكان الإقامة، وذكرت له زيادة على ذلك سبب تواجدي في
اليونان . وفشلت محاولاته لإستدراجي للإدلاء بالمزيد من المعلومات الشخصية.
على كلٍ هذه مجرد مقدمة رأيت ان من
الخطأ تجاهلها تمهيدا لإفتتاح اصل الحكاية
والولوج إلى لب الفكره الوطنية التي قررت الإفصاح عنها طالما ان لكل حدث حديث ولكل
مقام مقال.
لفت انتباهي شدة إمعانه بالتفاخر بأنه
لا يعرف الأردن ولم يأتِ إليها رغم انه على أعتاب الأربعين من العمر ، وقال
انه ولد في الكويت، وسافر إلى أغلب دول
العالم، وان كل ما يربطه بالأردن هو مراجعة السفارة لتجديد جواز سفره، وأكد انه لم
ولن يفكر بزيارة وطنة، وقد امتزج حديثة بالسرور والفرح والتباهي.
انتظرت صامتا إلى ان انهي حديثه، عندها
هممت بتوبيخه على هذا الكلام الرديء وهذا الفكر الدنيء، وكان احتمال التشاجر معه احتمال كبير. فالرجل وقح وعلى درجه عالية من البذاءة، ومع ذلك اتخذت
قراري واستعديت لتطبيق قواعد الاشتباك معه
إن لزم الأمر ، وكان باستطاعتي التمكن منه
نظرا لفتوتى آنذاك بالمقارنة مع جسمة
النحيل وقواه التي تبدو خائرة. انفعلت وصممت لحظتها على المغامرة وليكن بعدها ما
يكون، ونسيت لحظتها انني مشارك في مؤتمر مكافحة الرق لدول حوض البحر الأبيض
المتوسط المنعقد في اثينا وأن وجودي في
المقهى كان لقضاء الوقت ليس إلا.
لم يكن يعلم ما اضمرت له وما كنت انوي
فعله.
وكنت على وشك الوصول إلى نقطة المباشرة
بشن الهجوم لولا انه بادر وعرض استضافتي-
والعياذ بالله- للاستمتاع تلك الليله.
عندها توقفت وعرفت مهنته على وجه الدقة
والتحديد، وقلت في نفسي لن أقف بجانب هذا اللعين أمام ضابط شرطه أو في قاعة محكمة.
أما مغزى القصة وخلاصتها هي ان الرجل نسخة طبق الأصل عن أولئك الذين اساءوا للأردن وكشفت تصريحاتهم اللون الاسود لقلوبهم، ورموا حجرا قذرا في بئرنا الذي شربوا منه واكتفوا،، ولم يعد حاجة لهم به.




