د. ذيب القراله
يمكن النظر الى اجتماع قادة دول مجلس التعاون الخليجي،في جدة يوم امس،باعتباره لحظة مراجعة استراتيجية عميقة، فرضتها نتائج الحرب الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران، وما كشفته من ثغرات بنيوية في منظومة الأمن الإقليمي، وفي مقدمتها هشاشة الاعتماد شبه الكامل على المظلة الأمريكية.
الرسائل التي خرج بها الاجتماع كانت واضحة،فالخليج دخل مرحلة إعادة تعريف أمنه القومي، ليس فقط عبر الأدوات العسكرية، بل من خلال بنية تحتية استراتيجية تُحوّل الجغرافيا من نقطة ضعف إلى مصدر قوة.
وفي هذا السياق تبرز أهمية المشاريع التي طُرحت، وفي مقدمتها خطوط أنابيب النفط والغاز العابرة للحدود، والربط المائي، ومنظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية.
لقد أعادت أزمة مضيق هرمز، التي تصدرت المشهد خلال الحرب، التذكير بحقيقة مفادها ان شريان الطاقة الخليجي يمر من عنق زجاجة، قابل للاختناق في أي لحظة، لذلك فإن التوجه نحو إنشاء شبكة أنابيب بديلة صوب البحر الاحمر والمتوسط وبحر العرب ليس خياراً اقتصادياً فحسب، بل ضرورة أمن قومي.
هذه المشاريع، إذا ما نُفذت بجدية، لن تُقلل فقط من المخاطر الجيوسياسية، بل ستُعيد رسم خريطة الطاقة في المنطقة، وتُحوّل دول الخليج من مجرد مُصدّر يعتمد على ممر واحد، إلى شبكة متعددة المنافذ والخيارات.
ولا تقل مشاريع الربط المائي اهمية عن مشاريع النفط والغاز، فالحرب الأخيرة أظهرت أن استهداف البنية التحتية الحيوية – بما فيها محطات التحلية – يمكن أن يكون سلاحاً فعالاً.
ان إنشاء شبكة خليجية للربط المائي يعني ببساطة تقليل هشاشة امكانيات كل دولة على حدة، وتحويل الأمن المائي إلى منظومة جماعية، في عالم تتزايد فيه التهديدات غير التقليدية، ويصبح فيه الماء، وليس فقط النفط، جزءاً من معادلة الردع.
ويعكس مشروع منظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية، تحولاً نوعياً في التفكير العسكري - الأمني الخليجي، فالحرب الأخيرة أظهرت أن زمن الاكتفاء بأنظمة الدفاع الوطني المنفردة قد انتهى، وأن التهديدات الصاروخية تتطلب شبكة إقليمية متكاملة، قائمة على تبادل البيانات والمعلومات بصورة لحظية - فورية، مع تنسيق عملياتي مشترك.
ومما لا شك فيه، فان هذه المنظومة، إذا
ما تم ربطها بتقنيات حديثة وبشراكات متعددة، يمكن أن تُشكل نواة لدرع صاروخي
خليجي، يحدّ من قدرة الاخرين على فرض معادلات ردع غير متكافئة.
ورغم أهمية ما طُرح في جدة، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في استكمال الصورة،فالأمن القومي لا يُبنى بالمشاريع فقط، بل يحتاج إلى رؤية شاملة تتضمن تنويع التحالفات الدولية،فالحرب كشفت بوضوح محدودية الاعتماد على طرف واحد.
ان دول الخليج العربي الشقيقة تقف اليوم أمام فرصة لإعادة التوازن في علاقاتها، عبر الانفتاح على قوى دولية وإقليمية اخرى، وتعزيز التصنيع العسكري المحلي، وتوحيد القرار السياسي - الأمني كونه التحدي الأصعب، لكنه الأكثر أهمية، وإدارة العلاقة مع الخصوم بواقعية تدمج بين الحزم والانفتاح.
ما جرى في جدة ليس نهاية الطريق، بل بدايته، والمشاريع المطروحة تحمل في طياتها إمكانية حقيقية لبناء شبكة أمان خليجية أكثر صلابة، قائمة على تقليل المخاطر، وتعزيز مصادر القوة، وتقليل نقاط الضعف.
المؤكد إن دول الخليج تقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، مرحلة لا يُعرّف فيها أمنها بما توفره لها القوى الكبرى، بل بما تبنيه بنفسها،ومع شركاء تختارهم، وفق مصالحها، لا وفق حسابات الآخرين.
theeb100@yahoo.com




